إخوان الصفاء

180

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

تلك المواضع . وهذه جملة يطول شرحها . وذكر ان ملكا من الأولين أمر وقتا من الزّمان بأن تعدّ المدن المسكونة من الرّبع المسكون من الأرض ، فوجد سبعة عشر الف مدينة سوى القرى . واعلم بأنه ربما يزيد عدد مدن الأرض وينقص ، وذلك بحسب موجبات أحكام القرانات وأدوار الأفلاك الألوف ، وذلك أن بالقرانات الدّالة على قوة السعود ، واعتدال الزمان ، واستواء طبيعة الأركان ، ومجيء الأنبياء ، وتواتر الوحي ، وكثرة العلماء ، وعدل الملوك ، وصلاح أحوال الناس ، ونزول بركات السماء بالغيث ، تزكو الأرض والنبات ، ويكثر توالد الحيوان ، وتعمر البلاد ويكثر بنيان المدن . وبالقرانات الدّالّة على قوة النحوس وفساد الزمان ، وخروج المزاج عن الاعتدال ، وانقطاع الوحي ، وقلة العلماء ، وموت الأخيار ، وجور الملوك ، وفساد أخلاق الناس وسوء اعمالهم واختلاف آرائهم ، يمنع نزول البركات من السماء بالغيث فلا تزكو الأرض ، ويجفّ النبات ، ويهلك الحيوان ، وتخرب المدن في البلاد . واعلم يا أخي بأن أمور هذه الدّنيا دول ونوب تدور بين أهلها قرنا بعد قرن ، ومن أمة إلى أمة ، ومن بلد إلى بلد . فصل واعلم بأن كل دولة لها وقت منه تبتدي ، وغاية إليها ترتقي ، وحدّ اليه تنتهي ؛ فإذا بلغت إلى أقصى غاياتها ومدى نهاياتها تسارع إليها الانحطاط والنّقصان ، وبدا في أهلها الشؤم والخذلان ، واستأنف في الآخرين من القوّة والنشاط والظهور والانبساط ، وجعل كلّ يوم يقوى هذا ويزيد ، ويضعف ذاك وينقص ، إلى أن يضمحلّ الأول المقدّم ويستمكن الآتي المتأخّر . والمثال في ذلك مجاري أحكام الزمان ، وذلك أن الزّمان كلّه نصفان ، نصفه نهار